أخطاؤنا تصنعنا.

مسح ضوئي 14

لا يجب أن تكون مثاليًا، فهذا ما يجعلك أنت بكل بساطة! فكرتُ في هذا وأنا أُدربُ يدي على الرسم. المثالية لا تقيدك فقط، إنما تجعلك مشابهًا لما تراه مثاليًا، أليست الرسومات المثالية -التي أمقتُها- متشابهة؟ وما يجعلها متشابهة هو أنها اتبعت نفس القواعد، لا بأس باتباع القواعد أحيانًا، لكن -وكما يقولون- كل القواعد وضعت كي تُكسر. أقول هذا وأتأمل أحب أشيائي لي وأقربها إلى قلبي لأجدها ليست مثاليةً أبدًا. الجميع يطمح للمثالية في كل شيء، لكن حاول أن تحارب المثالية بأن تكون أنت، بأن تكون إنسانًا مليئًا بالأخطاء.ولستُ أدعوا هُنا لأن تبحث عن الخطأ لترتكبه، لكن هون عليك الأمر إن أخطأت، لا أحد يطلب منك أن تكون مثاليًا، نريدُك أن تكون أنت. لكن إن حصل الخطأ فهذا دليل على إنسانيتك، وأنك لم تهبط علينا من السماء، وأنك فريدٌ من نوعك. وعودًا على بدء، فإني أطلُب منك أن تُحاول أن تكون مثاليًا، حتى إن أخبرتُك في بداية المقال أنه لا يجب عليك ذلك، هل ترى كيف أن مقالي هذا ليس مثاليًا؟ وهو ما يجعلهُ رائعًا جدًا!

في النهاية أيها القارئ العزيز أُهديك هذا البيت:

(ولم أرَ في عيوبِ الناس عيبًا *** كنقصِ القادرين على التمامَ)

*الصورة المرفقة مع المقالة رسمة سريعة “ليست مثالية” لي لكني أُحبُها.

القليل من الحُب.

 

“لو كنت أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها تخرج من الباب لكنت احتضنتك وقبلتك، ثم كنت أناديك لكي احتضنك وأقبلك مرة أخرى. *ماركيز”

هزتني كلماتُ ماركيز هُنا ورأيتُها تمثل تمثيلًا صادقًا لعُمق الندم في لحظاتٍ نُحس فيها أنّا فرطنا. الكثير من الأشياء ما كانت لتفوتنا لو كنّا فقط ندري أنها لن تتكرر، لِمَ تكون مشاعر الندم عميقة دائما؟ بل لمَ تكون أعمقَ من غيرها؟ أنا متأسفة على الكثير من الفُرص التي فوتها، ومتأسفة أكثر على مشاعر لم أُبدِها. لكنّي أعرفُ الآن أن أسفي لن يغير شيئًا مما حدث، ولهذا قررتُ أن أكتُب. لا تنتظر حتى آخر رمق حتى تُعطي أحبابك قليلًا من الحب، وصدقني أن القليل فقط يكفي. المُشكلة أن أكثرنا لا يجد “حتى القليل” وربما لا يكترث ولا يلاحظ غيابه حتى يرى كيف يؤثر ذلك القليل عليه وعلى من حوله.

“قليلُ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع”

لمسةٌ حانية على صغيرك الذي ذهب لتوه إلى فراشه، قُبلة على رأس أُمك مع همسة لطيفة.

قبلةٌ على يدِ زوجتك لن تكسر رجولتك، وقبلةٌ على يد زوجك أيضًا لن تجعلكِ أمةً له!

والعجيبُ أن كل ما تهبه من حب لأيٍّ كان صغيرًا أم كبير، يعودُ إليك بجرعات أكبر وأجمل.

عالجوا قلوبكم، عالجوا عائلاتكم، عالجوا علاقاتكم، عالجوا حتى هواياتِكُم.. عالجوها بالحُب.

 

الحسنُ يوجدُ حيث يوجدُ راءِ.*

 

كان لي صديقة فتنتني رؤيتُها للأشياء والأشخاص على غيرِ ما يراها بقيةُ النّاس، فهي تستطيع بطريقة عجيبة أن ترى من الجمال ما يخفى عن العين العادية، وحاولت بدوري كثيرًا حتى أفلحت أن أرى كما ترى هي أو لعلني أقول “بطريقتها!” فلا أحد يستطيع أن يرى كما يرى غيرُه وكلُنا مميزون بطريقة أو بأُخرى. وأنتم، هل فكرتم أن تروا الأشياء العادية بطريقة غير عادية؟ أن تُفتشو في جمالياتها الصغيرة! هل فكرتم مثلًا  أن النقش الذي ترونه بشكل يومي -تقريبا- على كوبكم المفضل، جميل جدً بشكل لم تلحظوه قبلا؟ هل فكرتم كيف تنساب خُصل شعركم على أكتافكم؟ أو كيف تتثنى وتتجعد؟ هل فكرتم بالطريقة التي يقفز فيها العصفور منتقلا من مكان إلى آخر، بطريقة رشيقة لطيفة؟ ملايين الأشياء تنتظركم، لأن جمالها العادي الذي ترونه كل يوم ليس إلا قشرة، تنتظر شخصًا مميزا ليزعها عنه.

توقفوا عن النظر بطريقة عادية، توقف أنت عن النظر بطريقة عادية.. فأنت لستَ إنسانًا عاديًّا.

*العنوان شطر من بيت لإيليا أبو ماضي.

لا تؤجل فرح اليوم إلى الغد.

 

لطالما دسستُ بين أوراقي أفراحًا صغيرة، قُصاصات قصائد أو مقالات أو حتى صور، قلتُ في نفسي أنّي سأطلع عليها وسأتأملها.. لاحقًا! وقد يستغرب البعض أنّي أصُنف هذه الأشياء كأفراح، لكنها -عندي- أفراح وإن كانت أفراحًا متناهية الصغر. لكنّ  المهم أنّي حين أعود إليها -إن عُدت- أجدني أسأل نفسي، كيف أجلتُ متعة كهذه؟ لا لشيء إلا أنّي كنت أبحث عن شيء أجمل، لأقوم بتأجيله أيضًا هو الآخر؟ الحياة لا تحتمل التأجيل، وما يكون بين عينيك بهذا الجمال اليوم، قد لا يكفي لإضائتها مستقبلًا. وربما توقف إحساسنا بالجمال من كثرة ما عطلناه -مؤقتًا-، حتى توقف نهائيًا. مالذي نركض خلفه ونعيد تأجيل كل شيء -تقريبًا- من أجله؟ متى بدأنا بالتوقف عن الإحساس بالأشياء التي لا يستلذها غيرنا؟ أين ذهب الملهِمون من النّاس؟ أبحثُ عن صفحات من كانوا كقصيدة شعر بالنسبة لي، آوي إليها بين فينة وفينة، حين يتقلص حجم الإلهام الذي يثقل مخيلتي، وإذا بها خاويةٌ على عروشها. أين أنتم؟ هل أجهزت مظاهر اليوم على ما تبقى من شغف؟ هل فقدتم الأمل؟ ماذا حدث؟

أرجوكم، لا أريد أن أفقد الأمل أنا أيضًا.. ارجعوا.

 

لا شيء أقسى على القلب.

 

كنتُ سأكتُب هذه المرّة عن الحب بناءً على طلب الكثير، لكن وصلني بالأمس القريب خبر أفجعني وآلمني، فلقد انتقل إلى رحمة الله أبُ إنسانة عزيزة على قلبي فأحسستُ بالسُخف أن أكتُب عن الحب أمام رهبة الموت. هكذا يفعل الموت، يجتثك من أوهام الحياة وإن كانت أجمل الأوهام ملقيًا إياك أمام الحقيقة. وكأنهُ يعطيك صفعة قوية أن انتبه، هذه هي الحياة! فأي شيء، أيُ قيمةٍ قد تصمدُ أمامه؟ الغنى؟ الأمان؟ العلم؟ الشُهرة؟ لا شيء!! الموتُ هو الشيء الحقيقي الوحيد في هذه الحياة، هو بداية البداية، وكأننا نعيش لنموت. فكيف أكتُب عن الحُب في حضرة الموت؟ وكيف أكتبُ عن الفقد في حضرة الغياب الأكبر؟ وما عساي أقول ليغسل حزنهم في فقد الركن الشديد من دارهم؟ لا شيء سوى أنه انتقل إلى من هو أرحم به منا، وأننا ماضون إلى ما سبقنا إليه. أخيرًا أقول، اعتزلوا كلام العشاق، لا شيء أشد من فقد الوالدين.. لا شيء أقسى على القلب.

“اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار”